كان الإيمان بالوحدة العربية ومعها تحرير فلسطين يبدو وكأنه كتب على جينات الأمة، وبالفعل كانت هناك حركة قومية عربية مرتبطة بمواجهة نفوذ القوى الاستعمارية. اختلفت طرق تفكير النخب العربية الجديدة، فبعضها أراد وحدة فورية بينما أرادت دول عربية أخرى الوحدة على مراحل ووفق أسس عقلانية. الأهم أن كل دولة عربية شعرت بأنها جزء من أمة أكبر، لهذا وضعت في صياغات دساتيرها ما يشير الى أن الدولة العربية الجديدة جزء من الأمة العربية الأوسع. لم تحدد الدساتير شكل العلاقة وكيف تنتقل الى الوحدة، لكنها وضعتها كهدف للمستقبل قد يعني التكامل وقد يعني التداخل الاقتصادي بل قد يعني الفيديرالية والكونفيديرالية وغيرها من المفاهيم. وعلى رغم صراع المدارس العربية المختلفة، المحافظة والثورية والقومية والناصرية، كان الشارع العربي متفائلاً بنفسه واثقاً من أن قادته يعملون لمصلحته رغم الأخطاء وعلى رغم غياب السلوكيات الديموقراطية. وقد تميزت في الستينات قيادة عبد الناصر وقيادة الملك فيصل، ما جعل الناس في المجتمع العربي أكثر إيماناً بالمستقبل والمشروع الأكبر. تلك الدول والأنظمة لم تكن دموية، على رغم تفردها ومنعها للرأي الآخر، وذلك نسبة لما سيعرفه العرب في ما بعد، فنموذجها احتكم الى الرأي العام بدرجة من الدرجات واستمع الى نبض المجتمع.

لكن الفكرة القومية العربية أو تلويح العرب بإمكانية الوحدة لم يكن ليلقى أي استحسان او ارتياح من قبل النظام الدولي والإقليمي الذي خشي من هذا الاحتمال. فبينما تكونت القومية التركية في كيان تركي ممتد وحديث، تكونت القومية الفارسية هي الأخرى في كيان إيراني ناهض يؤسس لدولة ذات أركان إمبراطورية، وفي الوقت نفسه أنشأت الصهيونية كياناً ثالثاً مصطنعاً واستعمارياً واستيطانياً اقتُطع بالقوة من قلب الأرض العربية.

في بيئة إقليمية ودولية كهذه برز العالم العربي بصفته تجمعاً مفككاً مكوناً من دول صغيرة ومتوسطة الحجم. ربما مثلت قيادة الملك فيصل والرئيس عبد الناصر بكل تناقضاتها قمة النفوذ والتأثير العربي في البيئة الدولية والاقليمية، وجاءت ومضات من التأثير في مراحل لاحقة لكنها بقيت محدودة. لكن معضلة التأثير والدور أصبحت مأزقاً تاريخياً عندما لم ينجج العرب في تطوير كياناتهم بصورة واضحة بما ينسجم مع التكاثر السكاني والتعليم والإمتداد الحضري بما يتجاوز المراحل الأولى المرتبطة بالاستقلال وبدايات الدول الحديثة.

إن اللحظة الأصعب التي مهدت لنهاية حقبة الاستقلال وزخمها التنموي والتعليمي والقومي هي حرب ١٩٦٧. فالحرب أعلنت للعرب أنهم دخلوا نفقاً صعباً لا مخرج واضحاً منه. كانت تلك الحرب فرصة كبيرة للنظام العربي للمراجعة، لكنها ذهبت أدراج الرياح. كشفت حرب ١٩٦٧ أن الأمة التي تبنت روحاً قومية وواجهت الاستعمار تعاني من أزمة داخلية في إدارتها الذاتية. لم يكن العرب معتادين على حكم أنفسهم بأنفسهم في إطار دولة حديثة أو شبه حديثة. ففي الزمن التركي العثماني كان الحاكم تركياً وعثمانياً وكان العرب على مدى ٤٠٠ عام متلقين للقرار العثماني وليسوا فاعلين إلا ضمن حدود. هذا جعل التجربة التركية الحديثة مع الحكم والبيروقراطية امتداداً للعثمانية، فحكم أتاتورك جاء كاستمرار وامتداد لحكم العثمانيين، فقد كان أتاتورك قائداً مؤثراً في النظام العثماني وشارك مع العثمانيين في حماية أجزاء كبرى من تركيا. وهذا ايضاً ينطبق على إيران الدولة التي راكمت التجربة عبر إمبراطوريات مختلفة.

من جهة أخرى، بدأ كل من حكم الدول العربية من نقطة اللامكان واللادولة. المقصود أن البداية للعرب في دولة عربية قطرية حديثة كانت صعبة وشاقة وبلا تجارب تراكمية كما هي حال تركيا وإيران، ومن هنا تعثر العرب الأعمق في بناء الدولة، وعمقت الصهيونية وحروبها من أزمة العرب.

لكن المرحلة التي تلت حرب ١٩٦٧، بخاصة تلك التي برزت في سبعينات القرن العشرين والتي عرفت بالطفرة المالية والنفطية تميزت بسواد نسب متصاعدة من الفساد وأحادية أنظمة الحزب الواحد وسياسات التمييز بين المواطنين. في تلك الفترة بدأت تسود بقوة وبزخم حالة من اللاعدالة والظلم عمقتها السنوات. هذه العملية تطورت مع الوقت في النظام العربي، فعلى رغم اختلاف التجارب العربية، إلا أن الدول العربية لم تعرف حسن الإدارة وحداثة التفكير بخاصة مع إختفاء المؤسسين والفاعلين الأوائل من المشهد. وعلى رغم وجود حالات إستثنائية نسبياً بخاصة في الدول العربية الصغيرة العدد والقليلة السكان في الخليج، إلا أن السياق العام للإدارة العربية كان يعاني من سوء الإدارة والمركزية الشديدة وانتشار الفساد (سواء كان مقنناً أم فوضوياً) وهذا جعل التنمية الضحية الأولى لهذا النمط من الإدارة، وبطبيعة الحال سيصحب نموذجاً كهذا ضعف في المشاركة وعدم استماع للرأي النقدي وتحجيم للرأي العام وأشكال مختلفة من الديكتاتورية. لكن الذي سيغطي على المشكلة بصورة كبيرة هو هذا الضخ الكبير للأموال من أعلى المجتمع لقاعه، لكن ذلك أنتج تشوهات هيكلية ستؤثر في بنية النظام العربي في المراحل اللاحقة.

لقد دخل العرب في سبعينات القرن العشرين وبصورة أدق في ثمانينات القرن عصر النخب ذات المصالح الضيقة على حساب المصالح الوطنية القومية كما القطرية، فمع الثروة النفطية وتدفق المال أصبح كل شيء قابلاً للشراء كما للبيع. هذا أفرز قادة جدداً وفئات طفيلية اغتنت بين يوم وليلة بسبب عقود السلاح وعقود المصالح. هذا الغنى لم ينشئ طبقة وسطى جوهرها التنمية والتعليم بل طبقة تعتاش على عقود الدولة. لقد حرم العرب من بناء طبقة صناعية وإنتاجية أو طبقة باحثة وفكرية او طبقة ثقافية. حرم العرب من منتوج التنمية الطبيعي لمصلحة منتوج النفط مما عزز مركزية الدول ودور فئات وسيطة لا تقوم سوى بتحقيق مكاسب بسبب صفقات الوساطة. لقد كان العالم الجديد المبني على التسليع في الغرب، والذي تطور في ثمانينات القرن العشرين، سبباً في فقدان الدول العربية توازنها، لكن التسليع في الغرب في ظل دونالد ريغان ومارغريت ثاتشر جاء بعد عقود من الاقتصاد الجاد والصناعات الكبرى والنمو المستقل لقطاع خاص منتج، بينما في الحالة العربية جاءت القفزة شكلية بلا بنى تحتية وبلا ثقافة تعززها. هكذا انتقل العرب من مشروع الدولة ومشروع الأمة كما كان الأمر في زمن عبد الناصر والملك فيصل، الى مشروع الدولة المقاول في زمن أنور السادات وعلى الأخص حسني مبارك وبقية الأنظمة، حيث تراجعت القيم الكبرى لمصلحة المصالح الضيقة وصناعة المال بلا تنمية وبلا انتاج.

كانت ثورات ٢٠١١ محاولة لم يكتب لها النجاح لإنقاذ العرب من العرب ولإنقاذ العرب من الغرق. لم تكن ٢٠١١ سوى محاولة أهدرها النظام العربي حرصاً منه على استمرار ما اعتاد عليه من سيطرة المصالح الضيقة التي تتطلب تهميش الآخر وسيطرة الأقلية على الغالبية. كان الهدف من ٢٠١١ فتح المساحة السياسية والوطنية للجيل الشاب، لكن ذلك انتهى الى حالة من الانغلاق والجدران الجديدة التي شيدتها النخب العربية لحماية ما تعتقد انه الاستقرار. لكن ذلك بالتحديد هو الذي ساهم منذ ٢٠١١ في ضرب الاستقرار العربي الذي يزداد تفتتاً.

ويقف العالم العربي مجدداً على مفترق طرق، ففشل التجربة لا يعني نهايتها، بل يتطلب التعلم منها، وإمكانية إنصاف الضعفاء العرب والمهمشين المطالبين بحقوق وحريات وعدالة وتنمية واقتصاد منتج لا تزال تحرك خيال الكثير من الناس. فالعرب بعد عقود طويلة على الاستقلال يفتقدون دولة عربية واحدة قادرة على خلق ميزان قوى ممكن مع إيران وإسرائيل وتركيا. فهم اليوم لا يملكون برازيل واحدة او ما يشبه تركيا أو إيران من حيث القوة والأسس الاقتصادية وعمق المؤسسات. فلدى العرب عشرات الدول، لكنهم لا يملكون دولة واحدة ممتدة قوية منصفة عادلة شاملة جامعة مسائلة تلتمس الديموقراطية كقيمة وتلتمس فصل السلطات كقوة للإدارة ومنع التعسف. وفي هذا فالعرب حتى اللحظة هم الأقرب الى الخروج من التاريخ. إنهم في جانب كأفراد يحومون الدنيا، تحرمهم الدول من دخول أراضيها خوفاً منهم، يتحكم بهم الفاشيون في الغرب كما في نظامهم السياسي، تضربهم الحروب ويدمرهم العنف. هذه حالة وجودية هي الأسوأ لجماعة قومية: العرب.

يفتقد العرب وبخاصة في ظل نشوء جيل جديد يبحث عن مخرج لوضعه الوجودي لمشروع يتعامل مع تناقضات الإقليم وتناقضات الأوطان العربية كما وأثر العالم على واقعه. لا بد من عودة الى المشروع العربي من منطلقات منفتحة، تتقبل الاختلاف وإدارته، وتقبل غير العرب على قاعدة المساواة الكاملة وتؤمن بالعدالة كما بالعقلانية. فالعروبة أو الوحدة أو المستقبل المشترك أو مبادئ العدالة وقيم التنمية والديموقراطية هي قيم بإمكانها أن تشمل الشعوب الناطقة باللغة العربية. العرب ليسوا عرقاً بقدر ما هم حالة وجودية مفتتة ومضطهدة تفتقد الى الإستقلال (بحكم الضعف) بينما تملك تاريخاً وحضارة تداخلا مع العمق الإسلامي الإنساني. هذه الحضارة تخضع لأكبر عملية تصفية وتحجيم وتدمير منذ الاستقلال. المشروع العربي بالتحديد مدخل لمقاومة تصفية الإقليم. انه مشروع للمستقبل يتعامل مع الأزمة الوجودية للمضطهدين من العرب ممن يعانون من الظلم والتهميش بسبب الرأي أو الطائفة والخلفية الاجتماعية. في غياب المشروع العربي قد يفتقد العرب بعد زمن لمجرد رمزية الوجود وقد تقسم بلادهم وما تبقى منها بين أقوياء الإقليم من غير العرب وأقوياء العالم في الشرق والغرب.

 

شفيق ناظم الغبرا

* استاذ العلوم السياسية في جامعة الكويت

الحياة، الخميس 6 أبريل/نيسان 2017