جاءت التطورات منذ عام 2011 لتطيح بكل هذه العلاقات المميزة وتجد روسيا نفسها أمام مشهد شديد الارتباك والخطورة في ليبيا. وقد صاغت روسيا موقفها من الأزمة في ليبيا منذ بدأت وحتى الآن وفق مجموعة من الثوابت. أولها، رفض التدخل العسكري الغربي في ليبيا، ورغم أن روسيا وافقت على قرار مجلس الأمن رقم 1970، ولم تستخدم حق النقض ضد القرار رقم 1973، فإنها كانت ضد التدخل العسكري الغربي في ليبيا، وكثيراً ما نددت بضربات حلف شمال الأطلسي (الناتو)، مؤكدة أن القرارات السابقة تم تحريفها عند التنفيذ وأنها لا تخول الناتو الحق في شن مثل هذه الضربات في ليبيا.

ثانيها، دعم الانتقال إلى دولة ليبية قوية لها مؤسسات فاعلة، وأن يكون لليبيا جيش موحد ومجهز، لأن ذلك يصب في مصلحة الليبيين ويضمن الأمن الإقليمي في المنطقة، وهو ما أكده وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف، مضيفاً أن بلاده مهتمة بمساعدة ليبيا على تجاوز العقبات التي تقف أمام استقرارها، ومساعدة الليبيين على استرجاع سلامة أراضيهم ودولتهم، وأن الليبيين قادرون على حل الأزمة من خلال حوار وطني شامل بهدف إيجاد مصالحة شاملة
ثالثها، محاولة الاحتفاظ بأكبر قدر من التوازن في علاقاتها بالأطراف الليبية المختلفة، فقد التزمت موسكو الحذر والصمت طويلاً حتى بلورت القوى الليبية نفسها في إطارين يقودهما المشير خليفة حفتر يدعمه برلمان طبرق من ناحية، وحكومة الوفاق الوطني المعترف بها من الأمم المتحدة والمدعومة من العواصم الغربية، وفي مقدمتها واشنطن وباريس من ناحية أخرى، وما دون ذلك جماعات إرهابية خارجة عن الشرعية. وقد عبر رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني فايز السراج خلال زيارته لموسكو مطلع مارس(آذار) الجاري عن قناعته بأن روسيا قادرة على ممارسة دور إيجابي بشأن الأزمة الليبية لأنها تملك علاقات مع مختلف الأطراف الليبية، ما يؤكد احتفاظ روسيا بقنوات اتصال مفتوحة مع مختلف الأطراف، خلافاً لقوى دولية أخرى لا تعرف سوى الأحادية في سياستها تجاه ليبيا.
ورغم ذلك تبدو روسيا أقرب إلى المشير حفتر الذي استقبل في موسكو مرتين في يونيو ونوفمبر 2016، وتمت دعوته لمباحثات مع وزير الدفاع الروسي سيرجي شويجو عبر دائرة تلفزيونية مغلقة على متن حاملة الطائرات الروسية «أميرال كوزنيتسوف» أثناء عبورها قبالة المياه الليبية في يناير 2017. كما قامت روسيا في مايو(أيار) الماضي بطبع 4 ملايين دينار ليبي (نحو 3 مليارات دولار) لصالح حكومة طبرق ما أثار احتجاجات البنك المركزي الليبي في طرابلس التابع لحكومة الوفاق. وفي هذا السياق أبدت روسيا قدراً من عدم الارتياح إزاء استبعاد المشير حفتر من تشكيل حكومة الوفاق الوطني، التي كانت تأمل أن تأتي معبرة عن مختلف الأطراف، وتمثل خطوة نحو استعادة الاستقرار في ليبيا وتوحيد الجهود للقضاء التام على الإرهاب بها. وتنبع هذه الرؤية الروسية من قراءة موضوعية للواقع الليبي، فالمشير حفتر هو الذي يقود قوة عسكرية منظمة ممثلة في الجيش الوطني الليبي في حربه ضد الجماعات الإرهابية في منطقة بنغازي ويتمتع بنفوذ واسع في القوات المسلحة، وهو الركيزة الأساسية للأمن في شرق البلاد حيث الهلال النفطي الذي يضم حقول النفط والغاز والموانئ النفطية، ومن ثم لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات مستقبلية لليبيا
وقد أثارت زيارات المشير حفتر وتقاربه الواضح مع موسكو العديد من التساؤلات حول إمكانية اعتباره «رجل موسكو» وتدخل الأخيرة عسكرياً في ليبيا على غرار تدخلها في سوريا. والواقع أن هذا السيناريو يبدو بعيداً عن الواقع. صحيح أن القاعدة البحرية في طبرق تبدو مريحة وآمنة وعميقة، إضافة إلى أنه تم تحديثها في ثمانينات القرن الماضي من قبل الخبراء السوفييت، إلى جانب قاعدة بنغازي البحرية، وكانت هناك عقود بمليارات الدولارات في المجالين التقني والعسكري ومشروعات نفطية عملاقة تم التوصل إليها زمن القذافي، وأصبحت حبراً على ورق، وتأمل موسكو في إحيائها، إلا أن تدخلها العسكري في ليبيا يظل غير وارد، وذلك لعدة اعتبارات. أولها، أن ليبيا ليست سوريا من حيث الأهمية الاستراتيجية بالنسبة لروسيا وعمق العلاقات وخصوصيتها مع دمشق، والتي تمس الأمن القومي الروسي على نحو مباشر، كما تعتبر سوريا والقاعدتان الروسيتان الجوية والبحرية فيها حجر زاوية في الاستراتيجية البحرية الروسية، فالعلاقة مع دمشق لا نظير لها بالنسبة لموسكو ولا يمكن مقارنتها بالعلاقة مع ليبيا أو غيرها رغم أهمية الأخيرة أيضا بالنسبة لموسكو

ثانيها، أن روسيا لن تغامر بالتورط عسكرياً في ليبيا لأن ذلك سيكون على حساب قدرتها على التركيز في سوريا من ناحية، خاصة أنها لم تصل بعد إلى حسم نهائي للمعارك في سوريا، ولم تقض تماماً على التنظيمات والعناصر الإرهابية بها، والذي يظل الأولوية الحاكمة لحركة روسيا في منطقة الشرق الأوسط برمتها، ولما سيمثله ذلك من ضغط وعبء على الاقتصاد الروسي الذي يمر بصعوبات واضحة نتيجة التراجع الحاد في أسعار النفط على مدى العامين الماضيين من ناحية الأخرى.

ثالثها، أن روسيا لديها ما يكفيها من التوترات والمشكلات مع الغرب ولن تقدم على فتح جبهة جديدة من السجال مع الدول الغربية التي تدخلت في ليبيا على نحو صارخ، وتأبى أن تترك الساحة الليبية قبل أن تحقق أهدافها في السيطرة على مقدرات وثروات ليبيا النفطية، كما حدث في العراق من قبل. فضلاً عن أن خريطة القوى الفاعلة في ليبيا معقدة للغاية والتورط فيها يمكن أن يعيد شبح المأساة الأفغانية، خاصة مع تربص الغرب بروسيا ورغبته في انهاكها عسكرياً واقتصادياً
يضاف إلى هذا بعد قانوني وهو أن روسيا لا تتدخل عسكرياً إلا في إطار مظلة شرعية، وهو الأمر الذي يتحقق في حال طلبت الحكومة الليبية من روسيا التدخل، وهذا أمر غير وارد باعتبار الأخيرة مدعومة وموالية للغرب بالأساس، أو باستصدار قرار أممي من مجلس الأمن يخول روسيا هذا الحق، وهو أيضاً أمر وارد ولا يمكن تصور أن تسمح به الدول الغربية.

وهكذا يبقى خيار التسوية السلمية والدفع نحو وفاق وطني في ليبيا كبديل أمثل لروسيا على الأقل في المدى المنظور.

د. نورهان الشيخ

الخليج: ٩-٣-٢٠١٧