فلم تكن الصفقة التي رعاها الأردن شأناً أمنياً أو عسكرياً أو سياسياً فقط بل أكبر من ذلك كونه جاء في سياق تفاهم أردني روسي سوري أميركي لانضاج فكرة نزع السلاح والمناطق الآمنة في الجنوب السوري تمهيداَ لفتح الحدود التي تم إغلاقها بسبب التهديدات الأمنية للأردن والتي تكلف الأردن سنويا أكثر من 400 مليون دينار كخسائر مباشرة للميزانية وفق تقديرات دولية.

فكان التدخل الأردني الأخير في نهاية الشهر الماضي بدواعي تجنيب المملكة تداعيات معارك الجنوب السوري عبر انجاح مسار التسوية بعد إشارات من الحكومة السورية بعدم ممانعتها أو معارضتها لأي دور أردني في هذا الجانب لتحقيق المصالحات الوطنية لإنهاء الحرب الدائرة في سوريا منذ العام 2011 وإعادة الاستقرار والحفاظ على سوريا موحدة.

وأطلقت قوات الجيش الحر المدعوم من القوات الأميركية سراح الطيار السوري. إذ تم تسليمه للأردن الذي قام بتسليمه ومع 29 آخرين إلى نظرائهم الروس الذين قاموا بدورهم بتسليمه إلى الجيش السوري في بادرة هي الأولى عبر الأردن الذي بات يلعب دوراً محورياً في حل الصراع السوري.

ويتماشى كل ذلك مع قصة الغزل بين الأردن وسوريا عبر الناطق باسم الحكومة الأردنية محمد المومني في تصريح تلفزيوني في 25 أغسطس 2017، وتعليقات بثينة شعبان، المستشارة السياسية والإعلامية للرئيس السوري، بأن “قلبي سوريا والأردن لا زالا ينبضان لبعضهما البعض” وهذا في علم السياسة  يعني نوايا طيبة لكلا البلدين لتطبيع العلاقات وإعادة فتح الحدود في أي وقت يراه الجانبان مناسباً. وهذا ما فسر قيام المومني بالتصريح أنه “اذا استمر الوضع الحالي واستقر جنوب سوريا فان ذلك سيسمح باعادة فتح نقاط العبور بين الدولتين”.

وكان جلالة الملك عبد الله الثاني قد صرح في مؤتمر صحفي مع رئيس الوزراء الكندي جستن ترودو في 29  أغسطس 2017 قد عبًر عن أمله في أن يتوسع وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه مؤخراً في جنوب سوريا إلى أجزاء أخرى من البلاد من أجل التوصل إلى سلام تفاوضي ما يعني أن الأردن يتطلع وعلى أعلى مستوى سياسي في البلاد إلى عودة الاستقرار إلى ربوع سوريا تمهيداً لعودة الحياة الطبيعية بين البلدين الجارين.

ويتطلع الأردن الآن إلى تكرار وقف إطلاق النار في جنوب غرب سوريا إلى مناطق أخرى في البلاد لتهيئة الطريق إلى حل سياسي يضمن سلامة أراضي البلاد، وإنهاء إراقة الدماء كما قال الملك عبد الله الثاني لأن للمملكة حدود مشتركة مع سوريا تصل إلى حوالي 380 كيلومتراً.

إلى جانب جولة أستانا المقبلة من المفاوضات بين ممثلي الحكومة السورية والمعارضة المسلحة برعاية إيرانية وروسية وتركية  ستعقد جولة جديدة من المفاوضات بين الحكومة السورية والمعارضة المسلحة في 14 و 15 سبتمبر  الحالي في العاصمة الكازاخستانية إذ  يسعى الأردن إلى تحقيق وقف كامل لإطلاق النار في جميع سوريا قبل نهاية العام من أجل التمكن من الحديث عن إعادة فتح حدودها مع سوريا لضمان الأمن والسلام على جانبي الحدود.

ومن الجدير بالذكر أن الاقتصاد الأردني قد تأثر بشدة بإغلاق الحدود مع العراق وسوريا . فقد أدت الخسائر الأردنية الناجمة عن الحرب في سوريا إلى حرمان اقتصاد المملكة من 400 مليون دينار سنوياً، كما أدى الصراع السوري إلى زيادة عدد سكان البلاد بنسبة 8٪-10% بسبب تدفق اللاجئين.

فلو لم يكن هناك نزاع في سوريا  لكان من الممكن أن يصل معدل النمو السنوي إلى 4٪ بدلاً من 3٪. وقد يعتقد البعض أن هذا الانخفاض 1% ليس سوى خانة عشرية ورقماً بسيطاً  ولكن الواقع ليس كذلك إذا ما علمنا أن هذا الانخفاض في معدل النمو يعني خسارة تراكمية للدخل تعادل تقريباً المنح التي تلقتها الأردن في عام 2012 لدعم الميزانية في تلك السنة.

وكان السبب الرئيس لارتفاع التضخم هو ارتفاع أسعار الإيجارات، حيث كانت الأسر السورية تبحث عن سكن في الأردن (مخيم الزعتري على الحدود مع سوريا يستضيف ربع اللاجئين فقط). وبدون هذا الصراع، كان من الممكن أن تكون الإيجارات قد ارتفعت بنسبة 7.2% فقط، وليس بنسبة7.7٪. وكان للأزمة أيضا تكلفة على الميزان التجاري الأردني  فقد ارتفعت الواردات لتلبية الاحتياجات المرتبطة بالنمو السكاني – وزادت الواردات من غير الطاقة بنسبة تزيد عن 11%. وقبل اندلاع الأزمة كانت نحو 5000 شاحنة تعبر الحدود الأردنية السورية شهرياً. وقد انخفض هذا العدد إلى 100 خلال السنوات الأربع الماضية وتلك الشاحنات كانت فقط للمساعدات الإنسانية. فهل تفتح الحدود السورية مثلما فتحت الحدود العراقية وتعود المياه إلى مجاريها قريباً؟.